لعنة كفر دلهاب، حدث بالفعل ؟

15٬285

بقلم : بسمة الخولي


لعنة كفر دلهاب، حدث بالفعل ؟

من رحم الظلم يولد الظلام، وبالظلام تسكن تلك الأطياف التي لا تتوانى عن حصد أرواح كل مَن ساهم في خلقها؛ تحت هذا الشعار تم إنتاج أحد الاعمال الفنية التي حصدت بدورها ملايين المشاهدات والمتابعات خلال الثلاثون يوم المنصرمين .

” كفر دلهاب ” المسلسل الذي انتهى عرضه منذ ايام والذي صنع اسطورة جديدة في الدراما المصرية كونه احد أول الأعمال الفنية التي جمعت بين ” الرعب ” و ” الفلسفة ” ، لَم يقتصر على المحتوى الإمتاعي ، بل حوى معلومات تم تجميعها من ثقافات و حضارات مُختلفة حول العالم، عُرضت كجزء من الحبكة الفنية للمسلسل .

بالحلقة الأولى تم عرض ثيمة ” لعنة العائدون من الموت للإنتقام ” ، الثيمة التي منشأها الاساسي كان بالعصور الوسطى في اوروبا مع انتشار الأمراض والدفن المتعجل لأجساد يتضح فيما بعد أن اصحابها احياء . كقصة جزار لندن ” لورانس كاوثورن ” الذي تم اعلان وفاته عام 1661 م  ، حين اصيب جسده فجأة بالتخشب لسبب غير معروف و تم استعجال دفنه لأسباب تعلقت بإنتقال أملاكه .

دُفن لورانس في مقبرة محلية قرب كنيسة في لندن ، سُمعت صرخاته و طرقه على جدران التابوت بنفس الليلة ، لكن بحلول الوقت الذي اعادوا استخراج جسده من القبر كان قد فارق الحياة بالفعل ، بوجه مُحطم و اصابع دامية .





بالعام التالي ماتت ” مالكة الأرض ” – المسؤولة عن دفنه المتعجل في المقام الأول – فجأة ، برأس محطمة و أصابع مقطوعة ، و دُفنت على بُعد ثلاث قبور من قبر ” لورانس كاوثرون ” قبل أن يحترق قبرها فجائيًا كذلك تحت ما سماه السكان المحليون وقتها ” لعنة جزار لندن ” .

بنهاية الحلقة الأولى كذلك من ” كفر دلهاب ”

تحديدًا بمشهد داخل وكر ساحر الكفر ، تم عرض مشهد لأوراق هي في الأصل من كتاب ” النكرومينيكون ” لمؤسس أدب الرعب بالعالم ” هاوارد فيليبس لافكرافت ” .

عام 1908 م كتب ” لافكرافت ” قصته ” الخيميائي ” ، القصة التي تناولت فكرة العائلة المُصابة باللعنة لقتل احد الأجداد ساحر لعن العائلة للأبد قبل موتة ، ثم يكتشف آخر فرد بالعائلة أن الساحر مازال حيًا و أن الميتات الغريبة بالعائلة كانت إنتقام بشر حي ، و ليست نتاج افعال ماورائية ..

كون قصة ” الخيميائي ” شديدة الشبة بالحبكة الرئيسية للمسلسل ليس صدفة ، فهي أول قصة ذُكر بها لافكرافت كتاب ” النكرومينيكون ” الذي بُني عليه مشهد ساحر الكفر كما ذكرنا سابقًا . منذ عام 1920 م و حتى عام 1927 م ذكر لافكرافت ” النكرومينيكون ” بصورة هامشية في اكثر من قصة كـ ” المدينة بلا إسم ” ، ” نداء كثولو ” ، ” الكلب ” .. الخ .

اثار كتاب ” النكرومينيكون ” فضول عدد ضخم من القراء ، ثم تحول الفضول إلى هوس و نشأت كثير من النظريات عن طبيعة الكتاب و تاريخه ، حتى قرر لافكرافت في النهاية صُنع كتاب شامل نُشر تحت إسم ” تاريخ النكرومينيكون ” ، صنع فيه لافكرافت تاريخ كامل للكتاب و للرحاله ” عبد الله الحظرد ” الذي إلتقى بالجن في وادي عبقر و تعلم منهم علم الحروف و كيفية التواصل مع الكيانات التي تحيا على الأرض من قبل الإنسان .

رغم أن لافكرافت أكد على كون الكتاب من خياله بالكامل إلا ان الكتاب بقى لأعوام عديدة و حتى يومنا هذا أساس ومادة خصبة لكثير من القصص و النظريات التي تدور حول عالم الجن و العوالم الأخرى الغير مرئية أو معلومة لنا ، حتى أن البعض كتب قصص موازية للقصة الأساسية للنكرومينيكون ، البعض الآخر تولى تحويل الكتاب بالكامل لقصص مصورة مثل الرسام و المصمم ” برايان ريجن ” الذي صنع تاريخ النكرومينيكون المصور عام 2010 م و هو الكتاب الذي أتت منه الرسوم بمشهد الساحر بالحلقة الأولى من المسلسل .

بالحلقة الحادية عشر ، في مشهد ” للطبيب سعد ” ظهر كتاب مصور آخر كان بحوزة الطبيب حين اكتشف المسؤولين عن قتل ” ريحانة ” السبب الرئيسي للعنة الكفر .

الكتاب بحوزة الطبيب لم يكن سوى مفكرة جمعت ثلاث كتب مختلفة ظهروا للمرة الأولى في القرن ال13 ، الأولى كانت سلسلة ” مخطوطات تمبكتو ” التي تناقلتها الأجيال في مالي ، و التي كُتبت بلغة اقرب إلى العربية وإن لم تكن محددة حتى الآن .

” مخطوطات تمبكتو ” وعددها 700 ألف مخطوطة ، انتقلت إلى فرنسا بغرض الترجمة عام 2008 م ثم عادت إلى الأرشيف الوطني في مالي بعد ترجمة جزء بسيط منها لم يتعدى ال700 ورقة ، و التي حملت علوم مختلفة من الفلك ، الطب ، التنجيم ، و الدين .

الكتاب الثاني بنفس المشهد كان ” كتاب الأدوية ” لأبو جعفر الغافقي ، و الذي جمع اصول النباتات و العقاقير الطبية ، اساس علم الصيدلة ، الطرق العلاجية و طرق استخدام السموم للمنفعة ، اشكال الدواء و المواد الفعالة .. الخ .

الكتاب انتقل لجامعة ماكغيل في كندا عام 2011 م ، والتي تبنت مشروع ترجمة الكتاب بالكامل للإنجليزية ، بعد ترجمته باللاتينية و العبرية، كونه احد اهم الكتب التراثية في المجال العلاجي .

الكتاب الثالث في المشهد كان ” شمس المعارف ” لأحمد ابن علي البوني ، و الذي يُعتبر احد اشهر الكتب التي تتحدث عن الجن و السحر في الوطن العربي . ” شمس المعارف ” انتشر في الأعوام الأخيرة و ازداد الهوس به من قبل محبي ادب الرعب ، إلا انه مازال يحمل كثير من الصفحات بل و الفصول الكاملة المزورة و التي ليس لها اي اساس من الصحة . رغم هذا اتى ” جدول التحضير ” بالمشهد كجزء من الفصل المختص بشرح علم الحروف بالكتاب .

مشهد آخر في ” كفر دلهاب ” ظهر به الرمز الشهير ” لبافوميت ” الذي يُرسم في المعتقد الشائع كرمز للشيطان .

بافوميت ظهر للمرة الأولى في محاكمات فرسان الهيكل عام 1307 م ، تردد على ألسنة المحكومين بالإعدام كصاحب القوة و المُخلص من الويلات ، لكن لم يُستدل عن كينونة صاحب الإسم ، فقط تردد اكثر من مرة على اكثر من لسان اثناء التعذيب بالمحاكم و قبل الإعدام . كان أول ظهور له كصورة و ليس مجرد اسم عام 1861 م في كتابات ” إليفاس ليفي ” عن تاريخ فرسان الهيكل ، لكنه صور بافوميت كرمز للنفس البشرية و ميزان العدل بين قوى الخير و الشر في الكون .

عام 1872 م نقل ” البرت بايك ” – احد الآباء المؤسسين للماسونية – رسم بافوميت إلى المنظمة ، لكنه قال بأن الرسم كذلك ليس رمز للشيطان ، أو كما قال نصًا :

” بافوميت ليس شيطان، و ليس إله . لكن دائمًا وعلى مر التاريخ متى ظهر رمز غامض أو حكيم، إتخذته الجماهير وثنًا للعبادة . “

عام 1904 م اخذه ” أليستر كراولي ” رمزًا لديانة ثيلما التي انشأها ، و كانت هذه المرة الأولى التي يُستخدم فيها بافوميت كرمز للشيطان أو السحر ، ثم انتهى به الأمر داخل النجمة الخماسية المقلوبة كرمز رسمي للشيطان عام 1966 م على يد ” أنطون ليفي ” حين انشأ الكنيسة السوداء أو كنيسة الشيطان في الولايات المتحدة .

ذكر أنطون ليفي ” بافوميت ” في الإنجيل الأسود بالمقطع التالي :

منذ القديم رمز بافوميت للشيطان ، للطبيعة الحرة والسواد النقي ، اطلقوا عليه بافوميت ، الماعز السوداء ، ماعز يهوذا .. ارتباطه بالنقاط الخمس للنجمة يمثل روح الإنسان ، الطبيعة داخلنا ، نقطتان نحو الأعلى كقرنين تمثلان إزدواجية الروح البشرية ، و النقاط الثلاث الأخرى نحو الأسفل كي تدل على نكراننا للثالوث المقدس .

المعلومة الأخيرة بـ ” كفر دلهاب ” ظهرت قرب نهاية المسلسل ، على يد ” الطبيب سعد ” كذلك ، هذه المرة كانت على شكل رمز من النوردية المأخوذة من الحضارة الإسكندنافية ، حضارة شمال اوروبا القديمة ، أو كما هو معروف .. حضارة الفايكينج .

الرمز يُدعى

” helm of awe ”

ظهر بقصة فلكلورية مشهورة تُدعى ” سيغرد و فافنير ” ، ذُكرت القصة للمرة الأولى في نقوش حجرية تم تجميعها في كتاب يُدعى ” قصائد إيدا ” تناولت المثيولوجيا الإسنكندنافية بالكامل ، كتبها الشاعر الأيسلندي ” سنوري ستورلوسون ” في القرن ال13 .

قصة سيغرد و فافنير التي تتحدث بشكل اساسي عن خطيئة الطمع ، كانت وحي كذلك استخدمه ” تولكن ” في صناعة احد اشهر القصص العالمية في عصرنا الحالي ، الا و هي ” الهوبيت ” .

بالنهاية لم يكن ” مسلسل كفر دلهاب ” أول عمل درامي رعب / فلسفي فقط ؛ سواء كانت المعلومات داخل المسلسل مقصودة أو محض الصدفة ، فهي ساهمت بشكل كبير في تحويل المسلسل من تجربة مرئية ممتعة إلى مصدر معلومات قيمة لمُحبي البحث .